ابن الأثير
528
الكامل في التاريخ
فذلّ ، وخضع ، وطلب الصلح من صلاح الدين ، فأجابه إلى ذلك ، وهادنه وتحالفا ، وتردّدت القوافل من الشام إلى مصر ، ومن مصر إلى الشام . فلمّا كان هذه السنة اجتاز به قافلة عظيمة غزيرة الأموال ، كثيرة الرجال ، ومعها جماعة صالحة من الأجناد ، فغدر اللّعين بهم ، وأخذهم عن آخرهم ، وغنم أموالهم ودوابّهم وسلاحهم ، وأودع السجون من أسره منهم ، فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ، ويقبّح فعله وغدره ، ويتهدّده إن لم يطلق الأسرى والأموال ، فلم يجب إلى ذلك ، وأصرّ على الامتناع ، فنذر صلاح الدين نذرا أن يقتله إن ظفر [ به ] ، فكان ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى . ذكر عدّة حوادث كان المنجّمون قديما وحديثا قد حكموا أنّ هذه السنة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان ، ويحدث باقترانها رياح شديدة ، وتراب يهلك العباد ويخرّب البلاد ، فلمّا دخلت هذه السنّة لم يكن لذلك صحّة ، ولم يهبّ من الرياح شيء البتّة ، حتى إنّ غلال [ 1 ] الحنطة والشعير تأخّر نجازها لعدم الهواء [ 2 ] الّذي يذرّي به الفلّاحون ، فأكذب اللَّه أحدوثة المنجّمين وأخزاهم . وفيها توفّي عبد اللَّه بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي النحويّ المصريّ ، وكان إماما في النحو ، رحمه اللَّه تعالى .
--> [ 1 ] - الغلال . [ 2 ] - الهوى .